هل يمكن لأي أزمة أو ظرف اقتصادي أن يُعفي المتعاقد من تنفيذ التزاماته؟

القضاء في دولة الامارات وضع معايير صارمة لقبول الدفع بالقوة القاهرة، وأكد أن التأثير الاقتصادي وحده لا يكفي.

في هذا المقال نستعرض مفهوم القوة القاهرة في تنفيذ العقود وفق اجتهادات محاكم الامارات.

القوة القاهرة في تنفيذ العقود

تعد القوة القاهرة من أهم الدفوع القانونية التي يتمسك بها المتعاقدون عند تعذر تنفيذ الالتزامات العقدية، وقد رسمت محاكم الامارات من خلال أحكامها معايير دقيقة لتحديد نطاق تطبيق هذا المفهوم والضوابط التي يجب توافرها لقبول هذا الدفع أمام القضاء.

أولاً: الإطار القانوني ومفهوم القوة القاهرة

القوة القاهرة ليست مجرد بند تعاقدي يدرج بشكل إنشائي في العقود، بل هي نظام قانوني تحكمه ضوابط صارمة استقر عليها التشريع والقضاء.

وقد رسخت محاكم الامارات من خلال أحكامها أن القوة القاهرة تتحقق فقط إذا توافرت الشروط الآتية مجتمعة :

  • أن يكون الحدث غير متوقع وقت إبرام العقد.
  • أن يكون خارجاً عن إرادة المدين ولا يد له في حدوثه.
  • أن يستحيل دفعه أو تفادي آثاره بوسائل معقولة.
  • أن يؤدي إلى استحالة فعلية في تنفيذ الالتزام، وليس مجرد صعوبة أو إرهاق اقتصادي.

كما أكدت المحكمة أن مجرد النص على بند القوة القاهرة في العقد لا يُنشئ في ذاته سبباً للإعفاء من المسؤولية، بل يخضع التكييف النهائي لسلطة القاضي وفق الوقائع والأدلة.

ثانياً: الأساس التشريعي

يستند تطبيق هذا المبدأ إلى نص المادة (273) من قانون المعاملات المدنية ، التي تقضي بانقضاء الالتزام إذا أصبح تنفيذه مستحيلاً لسبب أجنبي لا يد للمدين فيه.

ويُفهم من ذلك أن:

  • الاستحالة هي الشرط الجوهري.
  • السبب الأجنبي يجب إثباته.
  • عبء الإثبات يقع على من يتمسك بالدفع.

ولا يكفي الادعاء بوجود أزمة عامة أو ظرف استثنائي دون إثبات أثره المباشر على العقد محل النزاع.

ثالثاً: التطبيقات القضائية في أحكام التمييز

  1. الطعن رقم 730 لسنة 2015 – المحكمة الاتحادية العليا

قررت المحكمة أن القوة القاهرة هي الحادث غير المتوقع الذي يؤدي إلى استحالة تنفيذ الالتزام استحالة فعلية.

وأكدت أن تقدير توافر القوة القاهرة من عدمه من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع، بشرط أن يكون الحكم قائماً على أسباب سائغة ومبني على أدلة الدعوى.

  1. الطعن رقم 479 لسنة 2021 – محكمة دبي للتمييز

في هذا الحكم شددت المحكمة على أن التأثير العام لجائحة أو حدث عالمي لا يكفي وحده لقيام القوة القاهرة.

وأوضحت أن المعيار الحاسم هو إثبات وجود رابطة سببية مباشرة بين الحدث وعدم تنفيذ الالتزام، وأن مجرد التأثير الاقتصادي أو التجاري لا يرقى إلى مستوى الاستحالة القانونية أو الفعلية.

  1. الطعن رقم 174 لسنة 2023 – محكمة دبي للتمييز

رفضت المحكمة الدفع بالقوة القاهرة لعدم ثبوت أن الحدث الاستثنائي كان السبب المباشر في تعذر التنفيذ.

وأكدت أن الإخلال الناتج عن تقصير أو أسباب داخل نطاق سيطرة الطرف المتعاقد لا يمكن اعتباره قوة قاهرة، وأن عبء الإثبات يقع بالكامل على من يتمسك بهذا الدفع.

رابعاً: التمييز بين القوة القاهرة والظروف الطارئة

  • القوة القاهرة

o       تؤدي إلى استحالة التنفيذ ويترتب عليها انقضاء أو وقف الالتزام .

  • الظروف الطارئة

o       تجعل التنفيذ مرهقاً أو صعباً ولا تنهي الالتزام بل قد تؤدي إلى تعديل التوازن العقدي .

وهذا التمييز تطبقه المحاكم بدقة، ولا تقبل الخلط بين المفهومين عند الفصل في النزاعات.

خامساً: معيار الإثبات أمام القضاء

استقرت أحكام القضاء على أن التمسك بالقوة القاهرة لا يكفي فيه الادعاء المجرد، بل يتعين على المدين أن يقدم أدلة موضوعية تثبت تحقق شروطها.

ومن أبرز ما يتعين إثباته أمام المحكمة:

  • وقوع الحدث الاستثنائي بالفعل.
  • عدم إمكانية توقعه وقت التعاقد.
  • عدم القدرة على دفع آثاره أو تفاديها بوسائل معقولة.
  • وجود علاقة سببية مباشرة بين الحدث وعدم تنفيذ الالتزام.

وغالباً ما تعتمد المحاكم في هذا الشأن على المستندات الرسمية والتقارير الفنية والقرائن المستمدة من ظروف تنفيذ العقد وطبيعته.

سادساً: أمثلة تطبيقية لحالات القوة القاهرة

قد تتحقق القوة القاهرة في بعض الحالات الاستثنائية التي تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً بصورة فعلية، ومن ذلك على سبيل المثال:

  • الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات التي تحول دون تنفيذ الأعمال الإنشائية.
  • القرارات الحكومية المفاجئة التي تمنع نشاطاً معيناً بشكل كامل.
  • الحروب أو الإغلاق القسري للحدود بما يجعل تنفيذ الالتزام غير ممكن.

وفي المقابل لا تعد من قبيل القوة القاهرة الحالات التي يقتصر أثرها على الصعوبة أو الخسارة التجارية مثل:

  • ارتفاع الأسعار أو تقلبات السوق.
  • الخسائر الاقتصادية أو انخفاض الأرباح.
  • تعثر الموردين أو المتعاقدين الفرعيين ما لم يكن ذلك نتيجة حدث استثنائي خارج السيطرة.

سابعاً: أثر القوة القاهرة على الالتزام العقدي

يترتب على تحقق القوة القاهرة آثار قانونية تختلف بحسب طبيعة الالتزام والظروف المحيطة بتنفيذ العقد.

فإذا أدت القوة القاهرة إلى استحالة دائمة في التنفيذ فإن الالتزام ينقضي بقوة القانون، أما إذا كانت الاستحالة مؤقتة فإن تنفيذ الالتزام قد يتوقف إلى حين زوال السبب.

وفي العقود الملزمة للجانبين قد يترتب على استحالة تنفيذ أحد الالتزامات انفساخ العقد بقوة القانون لانتفاء إمكانية استمرار العلاقة التعاقدية على النحو المتفق عليه.

ثامناً: القوة القاهرة كبند تعاقدي في العقود

تتضمن كثير من العقود التجارية الحديثة بنوداً خاصة بالقوة القاهرة تحدد الحالات التي تعتبر كذلك وآلية الإخطار بين الأطراف والمدة التي يجوز خلالها تعليق تنفيذ الالتزامات.

ومع ذلك فإن وجود هذا البند في العقد لا يعفي الطرف المتمسك به من إثبات تحقق شروط القوة القاهرة وفقاً للقانون، إذ يبقى التقدير النهائي لقيامها من عدمه خاضعاً لسلطة المحكمة في ضوء الوقائع المعروضة عليها.

خاتمة تحليلية

يتضح من استقراء أحكام محاكم الامارات أن الاتجاه القضائي يميل إلى تفسير القوة القاهرة تفسيراً ضيقاً ومقيداً حمايةً لاستقرار المعاملات العقدية ومنعاً للتوسع غير المبرر في الإعفاء من المسؤولية.

فالقوة القاهرة ليست مجرد ظرف استثنائي بل حالة قانونية تتطلب إثباتاً دقيقاً واستحالة فعلية مقرونة بعلاقة سببية مباشرة بين الحدث وعدم التنفيذ.

ولذلك فإن الدفع بالقوة القاهرة أمام القضاء يتطلب أساساً قانونياً دقيقاً وأدلة واضحة تثبت أن الحدث الاستثنائي قد جعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً فعلاً وليس مجرد أكثر صعوبة أو تكلفة.

يحتفظ مكتب الدكتور محمد حسن الرئيسي للمحاماة والاستشارات القانونية بكافة حقوق الملكية الفكرية الخاصة بهذا المحتوى ولا يجوز لأي طرف ثاني استخدام أو نسخ أو تعديل أي جزء منه دون إذن مسبق ودون الإشارة إلى مكتبنا .