البنوك الخضراء: واجب قانوني

في زمنٍ أصبحت فيه المحاكم ساحات معركة لحماية الحق الأساسي في البقاء، لم يعد إنشاء بنك أخضر وطني خيارًا سياسيًا أو مبادرة طموحة، بل ضرورة قانونية تعكس مدى امتثال الدولة لالتزاماتها البيئية وحقوق الإنسان.

فمن أمريكا الجنوبية إلى أوروبا، تفرض المحاكم مساءلة صارمة على الإهمال البيئي، مبينة أن التباطؤ في هذا المجال ليس مجرد قرار سياسي يخضع للمناقشة، بل انتهاك صريح لالتزامات قانونية أساسية.

ففي يوليو 2025، أعلنت محكمة حقوق الإنسان الأمريكية أن أزمة المناخ تمثل حالة طوارئ في مجال حقوق الإنسان، مؤكدة أن الدول ملزمة قانونًا باتخاذ إجراءات فورية وفعالة لمواجهتها. وفي أوروبا، يتجلى الاتجاه ذاته؛ إذ طعن نشطاء من مجموعة «أورورا» في السويد في أهداف الانبعاثات التي اعتمدتها الحكومة، لعدم توافقها مع متطلبات القانون الدولي، وذلك عقب حكم قضائي هولندي قضى بأن الدولة انتهكت حقوق سكان جزيرة بونير نتيجة إخفاقها في اعتماد تدابير كافية للتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها.

السماح بالتدهور البيئي يشبه ترك طفلٍ ليلعب بالنار داخل المنزل، مع إدراكٍ تام لخطورة الفعل، واحتمالية وقوع الحريق الذي سوف يهدد جميع من في البيت، بمن فيهم الطفل نفسه. ومن منظور قانوني، لا يعد هذا السلوك مجرد إغفال، بل إهمالًا صريحًا وإخلالًا بواجب العناية عندما يكون الضرر متوقعًا.

لذلك، لا تقتصر أسباب إقامة البنوك الخضراء على المنافع الاقتصادية أو التوجهات السياسية فحسب، بل تساعد أيضًا على الحد من مخاطر الانتهاكات الإنسانية والتواطؤ في كارثة عالمية تهدد أسس الحياة البشرية.

ثمن التقاعس المناخي

لم تعد مخاطر التغير المناخي أمراً افتراضياً، بل حقيقة مرعبة تتراكم آثارها يوماً بعد يوم. فالتلوث الهوائي يتسبب بملايين الوفيات سنويًا، ويساهم مباشرة في أمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب والأوعية الدموية. بينما تؤدي درجات الحرارة العالمية المرتفعة إلى انتشار الأمراض المعدية، مثل الملاريا وحمى الضنك، التي كسرت الأرقام القياسية في 2024 و2025، مع أكثر من 14 مليون حالة عالمياً، نتيجة توسع نطاق انتشار البعوض في المناطق الدافئة ليصل إلى مناطق كانت تعد سابقًا معتدلة مناخيًا، بما في ذلك أجزاء من أوروبا وأمريكا الشمالية. في الوقت نفسه، تؤدي أنظمة المياه الملوثة إلى انتشار الكوليرا وأوبئة اخرى مرتبطة بتلوث مصادر المياه، وأصبح الحر الشديد قاتلاً متسلسلاًَ يودي بحياة ما يقارب 489 ألف شخص سنويًا بين 2000 و2019، مع حمل آسيا 45% من هذا العبء وأوروبا 36%.

ومع تدهور النظم البيئية، تبدأ الأنظمة الاقتصادية المعتمدة على التوازن الإيكولوجي، مثل الزراعة والصيد والسياحة، في الانهيار. كما تتعرض البنية التحتية لضغوطاً متصاعدة جراء الفيضانات الجارفة والعواصف الهوجاء وموجات الحر الخانقة والحرائق المستعرة، مما يرهق إمكانيات الدول في الصمود أمام الكوارث. فالإنسان اليوم أمام شبكات طبيعية مترابطة تفقد قدرتها على التعافي الذاتي، ومعها تتزعزع الأسس الطبيعية التي تقوم عليها حياتنا، مشكلًا تهديدًا مباشرًا للحقوق الأساسية للإنسان.

الاستجابة الدولية

استجابة لهذه المخاطر المتصاعدة، لم يبقَ المجتمع الدولي متفرجاً صامتًا. على مدار العقود الماضية، اعتمدت الدول مجموعة واسعة من المعاهدات البيئية، الأطر السياسية، والمبادرات التعاونية الهادفة إلى الحد من الضرر البيئي وتعزيز التنمية المستدامة، إلا أن التنفيذ غالبًا ما يخفق في مواكبة الوعود.

في قلب هذه الجهود تقف اتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، التي تعتبر المناخ قضية مشتركة للبشرية كلها، وتلزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة لمنع التدخلات البشرية الخطرة في النظام المناخي. وقد تعزز هذا الإطار من خلال اتفاق باريس، الذي تلتزم بموجبه الدول بالحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى أقل من 2°م، ويفضل إلى 1.5°م، وهو الحد الذي يمثل بالنسبة للعديد من الدول الجزر، مثل بونير، الفرق بين البقاء وفقدان كل شيء .

يكمل هذا الإطار مبدأ الاحتراز، الذي يفرض اتخاذ إجراءات وقائية حتى في ظل غموض الأدلة العلمية، بهدف تجنب أضرار جسيمة أو غير قابلة للإصلاح، تجسيدًا للمقولة المعروفة: «الوقاية خير من العلاج». وقد أثبت هذا النهج فعاليته من خلال بروتوكول مونتريال، الذي تعامل مع المواد المستنفدة لطبقة الغلاف الجوي، الأوزون فلم يقتصر أثره على وقف التدهور، بل أسهم في عكس مسار الطبقة ووضعها على طريق التعافي التدريجي.

وقد ذهبت بعض الدول أبعد من ذلك بإنشاء مؤسسات تمويل خضراء مخصصة، مثل شبكة البنوك الخضراء التي تضم أعضاء من الأميركتين، وآسيا، وأوروبا، وأستراليا. أما في منطقة الخليج العربي، اتخذت الإمارات خطوات استباقية من خلال مبادرات واستراتيجيات وطنية، من أبرزها الأجندة الخضراء لدولة الإمارات 2015–2030، والخطة الوطنية لتغير المناخ 2017–2050، والمبادرة الاستراتيجية لتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050.

 كما بدأت دول مجلس التعاون إدراك المخاطر المناخية المادية المتزايدة، بدءًا من موجات الحر الشديد وصولًا إلى ارتفاع مستوى سطح البحار، مما يؤدي إلى تفاقم الظواهر المناخية المتطرفة، كالفيضانات في سلطنة عمان. وتشير التطورات التشريعية الأخيرة، وعلى رأسها القانون الاتحادي رقم (11) لسنة 2024 بشأن الحد من آثار تغير المناخ، إلى توجه واضح نحو إدماج التكيف المناخي ضمن الأطر القانونية الوطنية. وبالمثل، يعكس إصدار مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي لمبادئ إدارة المخاطر المالية المرتبطة بالمناخ تحولًا تنظيميًا يهدف إلى دمج المخاطر المناخية ضمن منظومة الحوكمة المالية.

الأزمة البيئية كتهديد خطير ووشيك بموجب القانون الدولي

رغم كل المعاهدات، الخطط الاستراتيجية، ومنصات التمويل المناخي، لا تزال آثار تغير المناخ تشكل خطراً هائلاً. لم تعد الأزمة البيئية قضية بيئية فحسب، بل أصبحت مسألة قانون دولي وحقوق إنسان، إذ إن الإخفاق في منع أضرار مناخية متوقعة يرقى إلى إخلال بالالتزامات القانونية الواقعة على عاتق الدول.

فالحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة والحق في الصحة، باتت مهددة بارتفاع مستوى البحار، وانتشار الأمراض، وموجات الحر الشديد. كما يتعرض الحق في مستوى معيشي كريم، بما يشمله من الأمن الغذائي والحصول على المياه النظيفة والسكن الملائم، للتآكل نتيجة الجفاف والفيضانات وتراجع الإنتاج الغذائي. كما يواجه الحق في الخصوصية والأسرة والمسكن خطرًا متزايدًا بفعل النزوح القسري والظروف البيئية غير القابلة للعيش.

إن الحقوق التي تُكرَّس قانونًا دون أن تُحمى من أضرار مناخية متوقعة تفقد مضمونها العملي؛ فالتقاعس في مواجهة مخاطر معلومة وقابلة للتنبؤ لا يمثل مجرد إخفاق سياسي، بل يرقى إلى مستوى الإهمال على نطاق عالمي.

واجب التحرك

في 23 يوليو 2025، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا بالإجماع أعاد تشكيل المشهد القانوني لمسؤولية المناخ. وكان السؤال أمام المحكمة بسيطًا: ما الذي يطلب من الدول قانونيًا في مواجهة تغير المناخ؟

وكان الجواب واضحًا: الفشل في التحرك أو عدم القيام بما يكفي والتقصير فيما تقتضيه المعطيات العلمية ، يمكن أن يشكل خرقًا للقانون الدولي .

وصفت المحكمة تغير المناخ بأنه تهديد عاجل ويمس أسس الوجود البشري على نطاق عالمي. وأقرت بأن ارتفاع درجات الحرارة ليس مجرد توقعات، بل واقع يعيشه الناس، ويهدد الحياة والصحة وأنظمة الغذاء والمياه وسبل العيش، وأسس حقوق الإنسان. بعبارة واضحة، لم يعد التقاعس المناخي مسألة خيارٍ سياسي؛ بل أصبح مخاطرة قانونية.

البنوك الخضراء كواجب على الدولة

نظرًا للضرر الجسيم الذي يسببه تغير المناخ، باتت الاستجابة الحازمة ضرورة. فقد أصبح القانون الدولي ينظر إلى حماية المناخ لا بوصفها هدفًا سياسيًا طموحًا، بل التزامًا قانونيًا ملزمًا يستند إلى حقوق الإنسان، وواجب العناية، ومبدأ منع الضرر العابر للحدود.

خاتمة

في ظل هذه الالتزامات القانونية المتصاعدة، تبرز الحاجة إلى استجابة مؤسسية فعالة. فالبنك الأخضر الوطني لا يعد مجرد أداة تمويلية، بل يمثل تجسيدًا عمليًا لامتثال الدولة لالتزاماتها الدولية، وآلية استراتيجية لتوجيه الموارد، وإدارة المخاطر، وتعزيز سياسات الحد من الانبعاثات والتكيف على نطاق واسع.

ستحول البنوك الخضراء الوطنية الالتزامات المجردة إلى التزام ملموس، يحد من مخاطر المسؤولية الدولية ويجنب الدول الإسهام في تفاقم أزمة ذات أبعاد كوكبية، ويرسخ إطار تنموي مستدام يحمي الأجيال الحاضرة والمستقبلية. وعليه، لم تعد البنوك الخضراء خيارًا تنمويًا، بل معيارًا يقاس به مدى وفاء الدول بواجبها تجاه الإنسانية.