البنوك الخضراء: نمو اقتصادي يحترم البيئة

مقدمة

شهدت البشرية خلال العقود الأخيرة تسارعًا تكنولوجيًا غير مسبوق؛ الابتكارات في نصف القرن الاخير فاقت ماشهده العالم عبر قرونٍ سابقة طويلة. وفضلاً للرقمنة والذكاء الاصطناعي والترابط العالمي بنّت المجتمعات منظومات اقتصادية متشابكة، ووسعت صناعاتها، وطوّرت تقنياتها بوتيرة لم يعرفها التاريخ. إلا أن هذا الاندفاع الهائل لم يرافقه أي اهتمام بالأنظمة الطبيعية التي تقوم عليها الحياة، ففوجئت الطبيعة بإيقاع لا يمهلها للتكيّف، كاشفةً عن اختلالات عميقة وفجوة متسعة بين ما نبنيه وما يستطيع الكوكب تحمله.
ورغم تنامي الوعي البيئي الذي شهده العالم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ولا سيما تقرير لجنة برونتلاند التابعة للأمم المتحدة عام 1987، الذي قدّم تعريفًا جوهريًا للتنمية المستدامة باعتبارها “تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها”، إلا أن هذا المفهوم لم يتحول حتى اليوم إلى مبدأ مُلزِم أو مُتبع عالميًا. فقد بقي تطبيقه متقطعًا ومحدودًا، وهو قصور يضع البشرية في موقف حرج. واليوم، تواجه الدول تحديًا مزدوجًا يتمثل في تحقيق أهدافها التنموية مع تعزيز قدرتها على الصمود أمام تغير المناخ، في معادلة أشبه بسيفٍ ذي حدين؛ فالتقدم الاقتصادي المطلوب اليوم قد يتحوّل غدًا إلى عبء بيئي إذا لم يُدار بحكمة. ومع تفاقم المخاطر المناخية وشح الموارد، وتعاظم الاختلال في التوازن الاجتماعي، باتت الحاجة إلى حلول هيكلية طويلة الأمد أكثر إلحاحًا. واهتماماً بكوكبنًا لم يعد أمرا ثانويًا؛ بل ضرورة تفرضها فطرتنا الإنسانية القائمة على البقاء.

الاتجاهات العالمية: “من يهتم يفز”

كشفت البيانات الدولية أن أكثر من ملياري إنسان حول العالم لا يحصلون على مياه نقية وصالحة للشرب، ففي وقتٍ أصبح فيه التلوث، بمختلف أشكاله، أحد أبرز التحديات البيئية التي تهدد صحة الإنسان واستقرار النظم البيئية. ولم يعد الإخلال بالمنظومة البيئية أمرًا يمكن التغاضي عنه، فهو تجاوزًا مباشرًا لمبادئ أساسية من حقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في حياة آمنة وصحة ورفاه معيشي.

مع إدراك المخاطر برز مبدأ الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG) بوصفه معيارًا جديدًا يتيح للمؤسسات والمستثمرين تقييم أثرهم البيئي والاجتماعي إلى جانب الأداء المالي، لضمان أن العوائد الاقتصادية مستدامة ومسؤولة. ومع انتشار هذا الإطار، أعادت الدول صياغة أولوياتها التنموية، فتوجّهت نحو رؤى وطنية طموحة، وخطط للطاقة النظيفة، ومبادرات للاقتصاد الدائري، في محاولة لبناء نموذج تنموي قادر على مواجهة التحولات المناخية، وحماية البيئة، وتقليل الأضرار التي خلّفها النمط الاقتصادي التقليدي.

ورغم كثرة المبادرات والاستراتيجيات، لم يشهد العالم تحولًا فعليًا، فمازال التمويل اللازم لدعم هذه الخطط البيئية أقل مما يستلزم؛ فالسوق يستمر في تفضيل القطاعات التقليدية لأن تكلفتها منخفضة مقارنة بالمشاريع ذات طابع بيئي التي تحتاج عادةً إلى نفقات أولية مرتفعة وبنية مالية أكثر تعقيدًا. فالحلول التقليدية تمنح الشركات والأفراد نقطة انطلاق ميسورة، بينما ترهق المشاريع المستدامة بتكاليف تأسيس مرتفعة ونماذج تمويل معقدة، مما يجعلها أقل جاذبية، حتى وإن كانت أقل ضررًا على المدى الطويل.
هذا الانحياز نحو الخيارات الأرخص على المدى القصير كشف الفجوة العميقة بين الخطاب البيئي والواقع الاقتصادي؛ فالاستدامة ما تزال محاصرة بين طموح سياسي مرتفع وقدرة مالية محدودة، وبين مبادئ تُرفع في المؤتمرات وخيارات تمويلية تعجز عن دعمها. وقد ثبت أن التعهدات الطوعية والإعلانات الرمزية لا تكفي لتغيير اتجاه السوق ما دامت تكلفة التحول الأخضر مرتفعة.

ومن هنا تبرز أهمية البنك الأخضر كأداة تعيد صياغة قواعد التمويل. فهو يسهل حصول المشاريع الخضراء على رأس المال من خلال أدوات تمويل مخصصة، فيحوّل الحلول المستدامة من خيارات باهظة الثمن إلى بدائل ممكنة اقتصاديًا. وبهذا يسدّ الفجوة بين ما نطمح إليه وما يمكن تنفيذه، ليصبح التمويل جزءًا من الحل في مسار الانتقال الأخضر، لا جزءًا من المشكلة.

ما هو البنك الأخضر

البنك الأخضر هو مؤسسة مالية يقوم نموذجها التشغيلي بالكامل على مبادئ الاستدامة، ويهدف إلى دعم قدرة المجتمعات والاقتصادات على الصمود أمام آثار تغيّر المناخ. وعلى عكس البنوك التقليدية التي تطرح منتجات خضراء محدودة على الهامش، يتميّز البنك الأخضر بأن دوره جوهري وليس تكميليًا؛ فهو:

• يموّل المشاريع ذات الأثر البيئي المباشر، مثل الطاقة المتجددة، وكفاءة استهلاك الطاقة، والمياه النظيفة، والنقل المستدام، وإعادة التدوير، والمساكن الصديقة للبيئة.
• يدمج المعايير البيئية والمخاطر المناخية في كل قرار إقراض أو استثمار.
• يطوّر أدوات تمويل متخصصة تدعم التحول الأخضر على المدى الطويل، مثل السندات والقروض الخضراء.
• يوازن بين العائد المالي والأثر البيئي والاجتماعي، ويمنح كليهما الوزن نفسه في عملية اتخاذ القرار.
• يوجه رأس المال نحو مشاريع منخفضة الانبعاثات، من خلال نماذج تمويل متخصصة تقلّل المخاطر وتفتح المجال لاستثمارات طويلة الأجل، وهذا ما يميزه عن البنوك التقليدية التي لا يتركز نشاطها حول الاستدامة.

وباختصار، لا يكتفي البنك الأخضر بدعم الاستدامة؛ بل يشكّل تجسيدًا عمليًا لها. فهو أداة استراتيجية لضمان عمل المنظومة المالية في خدمة حماية الأنظمة البيئية والاجتماعية التي تقوم عليها الحياة.

فوائد البنك الأخضر

1. تسريع تطوير بنية تحتية مستدامة، كالطاقة النظيفة والنقل الأخضر وكفاءة المياه وإدارة النفايات.
2. خفض التكاليف البيئية والاجتماعية وتعزيز الصحة العامة وخلق فرص عمل في القطاعات الخضراء.
3. دعم الاقتصاد الوطني في تحقيق أهدافه المناخية.
4. استقطاب المستثمرين والشركات ذات التوجه البيئي.
5. ترسيخ الاستدامة في النظام المالي بشكل هيكلي وليس من خلال مبادرات متقطعة.

لماذا الآن هو الوقت المناسب للبنوك الخضراء؟

الضغوط البيئية التي يواجهها كوكبنا اليوم لم تعد تهديدات مستقبلية، بل واقعًا مؤلماً يؤثر على المجتمعات والاقتصادات عالميًا. فمن تغير المناخ الذي يدفع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة، وتجدد موجات الجفاف والفيضانات، إلى فقدان التنوع البيولوجي الذي يهدد الأمن الغذائي ويضعف النظم البيئية، مرورًا بتدهور جودة الهواء وتلوث المحيطات والأنهار بالنفايات البلاستيكية والمخلفات الصناعية.
كل هذه العوامل لا تتصرف كأحداث منفصلة، بل تتداخل لتؤثر في الموارد الأساسية التي نعتمد عليها للصحة والرخاء، وتنعكس على سبل العيش والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، فتجعل الاستجابة ضرورة للحد من هذه المخاطر المتصاعدة.

خارطة طريق لإنشاء بنك أخضر

1. إنشاء مؤسسة مالية مستقلة ووضع إطار قانوني وتنظيمي: تأسيس بنك أخضر مستقل يتمتع بحوكمة واضحة، وولاية محددة، وكوادر متخصصة، مدعومًا بإطار تشريعي وتنظيمي يحدد أنشطة الأعمال الخضراء، ويضمن الشفافية والإفصاح، ويرسم إطارًا منظمًا يحدد المشاريع المؤهّلة للتمويل المستدام.
2. إصدار أدوات مالية خضراء: طرح السندات والقروض الخضراء والتمويل المرتبط بالاستدامة لجذب المستثمرين والمقترضين المهتمين بالمشاريع طويلة الأجل.
3. دمج تقييم المخاطر المناخية ومقاييس الأثر: تقييم جميع القروض والاستثمارات وفق معايير بيئية واجتماعية تشمل، خفض الانبعاثات، توفير الطاقة، كفاءة استخدام المياه، تقليل النفايات.
4. تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص: استخدام الضمانات والحوافز الحكومية لجذب رأس المال الخاص وتقليل المخاطر وتوسيع حجم الاستثمارات.
5. التوعية ونشر المعرفة: تعريف الشركات والأفراد بميزات التمويل الأخضر وتشجيعهم على تبنّي حلول الطاقة النظيفة والإسكان الفعّال والنقل المستدام من خلال تمويل ميسر.

خاتمة

في عالم تتسارع فيه الأزمات البيئية وتتفاقم آثارها على الإنسان والاقتصاد، يصبح البنك الأخضر ليس مجرد مؤسسة مالية، بل أداة ضرورية للبقاء وآلية تضمن حركة رأس المال في خدمة الحياة، لا ضدها. إنه خطوة جوهرية نحو نموذج تنموي يحترم حدود الكوكب، ويضمن للأجيال المقبلة حقها الطبيعي في بيئة سليمة، وماء نظيف، وهواء صالح للحياة، وهي حقوق أساسية لصون كرامة الإنسان.

حقوق الملكية: يحتفظ مكتب الدكتور محمد حسن الرئيسي للمحاماة والاستشارات القانونية بكافة حقوق الملكية الفكرية الخاصة بهذا المحتوى ولا يجوز لأي طرف ثاني استخدام أو نسخ أو تعديل أي جزء منه دون إذن مسبق ودون الإشارة إلى مكتبنا.

📍 العنوان: الطابق 11، مبنى تميم هاوس، منطقة برشا هايتس، دبي، الإمارات العربية المتحدة
📞 رقم الهاتف الثابت: ‎+971 4 298 0686
💬 رقم الواتساب: ‎+971 56 111 3928
📩 البريد الإلكتروني: info@dralraeesilegal.com
🌐 الموقع الإلكتروني: www.dralraeesilegal.com